أحمد بن علي القلقشندي
60
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نحن - لما ضاعفه اللَّه لدينا من إحسانه وأجزله ، وعدقه ( 1 ) بنا من تدبير أمور الخلق وأسنده إلينا ووكله - نعتمد عبيدنا بتوفير الرّعاية لهم والإكرام ، ونحافظ على ما يغمرهم من شامل الإفضال وسابغ الإنعام ، فنقدّم للخدم من خطبها بخلوص طاعته ، ونؤهّل للرّتب من أبانت شيمه عن خبرته ومناصحته . ولمّا كنت أيّها الأمير ممن ظهرت مشايعته وموالاته ، وحسنت في مكافحة الأعداء مشاهده ومقاماته ، ووضحت في أفعاله دلائل النّصح وبانت عليه سماته ، ولك مساع مشكورة ، ومواقف مشهورة ، ومقاصد هي من مآثرك معدودة وفي فضائلك مذكورة ، رأينا - وباللَّه توفيقنا - استخدامك في ولاية الفرما والجفار ( 2 ) : سكونا إلى رضا مذهبك ، وثقة بانتظام الحال فيما يردّ إليك ويناط بك ؛ وخرج أمرنا إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ بتقليدك الولاية المذكورة وتضمينه ما نأمر به ونرسمه ، مما يهديك إلى الصواب فتتمسّك به وتعكف عليه وتلزمه . فتقلَّد ما قلَّدته شاكرا على هذه النّعمى ، عاملا بطاعة اللَّه تعالى ومراقبته في السر والنجوى ، واعتدّها زادا إلى الآخرة تطمئن به القلوب وتقوى ؛ قال اللَّه عز من قائل في كتابه : * ( وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) * ( 3 ) واعتمد في أهل هذه الولاية نصفة تعمّهم ومعدلة ، وسسهم سياسة تكون لسنّة الخير مؤكَّدة ولسنّة الجور مبدّلة ، وماثل في الحق بين قويّهم وضعيفهم ، ولا تجعل مزيّة في الواجب لشريفهم على مشروفهم ، وانتصف للمظلوم من المتعدّي الظالم ،
--> ( 1 ) المراد : لما ناطه بنا . والأوضح « عزقه بنا » بالزاي المعجمة ، كما مرّ معنا في غير مكان من الصبح . ( 2 ) كانت الجفار عبارة عن عدة مواضع عامرة ، منها : العريش والورّادة ورفح وقطية والقس والزعقا . ( انظر معجم البلدان : 2 / 145 ) . ( 3 ) البقرة / 197 .